بعد عشر سنين

درجة يستحيل معاها ينكرهم.
واللي كان بيقول قدام ملايين الناس إنه عمره ما خلّف.
لكن اللي ياسين مكانش يعرفه إن دخولي القاعة مش هيكون المفاجأة الوحيدة في الليلة دي…
لأن نادين كانت مخبّية في الملف الأسود اللي معاها ورقة واحدة، لو اتكشفت قدام الناس، مش بس هتغيّر نظرة ياسين لولاده…
دي ممكن تقلب إمبراطوريته كلها فوق دماغه!
القصة أطول من إنها تتحط في الكابشن، فلو عايز تعرف إيه اللي حصل لما مريم دخلت الحفل، وإيه السر اللي كان مستخبي في الملف،
الليلة اللي ياسين عبدالسلام اكتشف فيها إن عنده توأم… وخسر الإمبراطورية اللي بناها على كذبة!
الساعة كانت تمانية وخمسة وأربعين دقيقة بالظبط، وأبواب القاعة الكبيرة في فندق فخم بالتجمع الخامس اتفتحت.
كان ياسين عبدالسلام واقف على المسرح، وسط تصفيق رجال الأعمال وكبار الشخصيات، وخلفه شاشة ضخمة مكتوب عليها اسم مجموعته الاستثمارية عبدالسلام جروب.
كان لسه مخلّص كلمته عن النجاح والتضحيات، وبيستعد يستقبل جايزة رجل الأعمال الأكثر تأثيرًا في السنة.
وفجأة، التصفيق بدأ يهدى.
الناس اللي واقفة ناحية المدخل ابتدت تهمس، والعيون كلها اتجهت لست لابسة فستان أسود أنيق، داخلة بخطوات ثابتة، وعلى يمينها ولد لابس بدلة كحلي، وعلى شمالها بنت لابسة
فستان أزرق لامع.
ياسين بص ناحيتهم بضيق في الأول، مستغرب مين اللي قرر يدخل في اللحظة دي بالذات.
لكن أول ما الولد رفع عينيه ناحية المسرح، الكوباية اللي في إيد ياسين وقعت على الأرض واتكسرت.
الولد كان نسخة منه.
نفس العينين، ونفس شكل الأنف، وحتى نفس الطريقة اللي بيرفع بيها حاجبه لما يستغرب حاجة.
والبنت… كانت شبهه بشكل خلّى أكتر من شخص في القاعة يبص للتاني في ذهول.
ياسين نزل من على المسرح بسرعة، وشق طريقه وسط الحضور، لحد ما وقف قدام مريم.
وشه كان شاحب، وصوته خرج متقطع
مريم؟!
بصيتله بهدوء.
مساء الخير يا ياسين. مبروك على الجايزة.
بص للتوأم، وبعدين رجع بصلي.
مين الولدين دول؟
آدم عقد حواجبه وقال
تصحيح بسيط يا فندم، إحنا ولد وبنت، مش ولدين.
واحد من رجال الأعمال اللي واقفين قريب منهم كتم ضحكته، لكن ياسين ماخدش باله.
كان لسه مركز مع ملامح الطفلين.
إنتِ بتعملي إيه هنا؟ وإيه اللي جابك بعد عشر سنين؟!
رفعت حاجبي وقلت
غريبة! هو مش المفروض إنك مبسوط؟ من كام يوم بس كنت بتقول في التلفزيون إن أكبر ندم في حياتك إنك مخلفتش.
اتغير لون وشه.
إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
ليلى ردت قبل ما أتكلم
عن إن حضرتك قلت إن معندكش ولاد. إحنا شفنا اللقاء، على فكرة. أنا كنت عايزة أعرف هو إحنا مش محسوبين ولا إيه؟
القاعة كلها بدأت تسكت تدريجيًا.
كاميرات الصحفيين اتوجهت ناحيتنا، والناس اللي كانت جاية تحتفل بنجاح ياسين بقت واقفة مستنية تعرف إيه اللي بيحصل.
ياسين حاول يستعيد سيطرته، وقال بصوت واطي وغاضب
مريم، مش هنا. تعالي نتكلم في مكتبي.
قلتله
ليه؟ مش إنت اللي قلت قدام ملايين الناس إنك محروم من الأطفال؟ أهو إحنا جينا نخفف عنك الحرمان!
بعض الحضور مقدروش يمنعوا نفسهم من الضحك، لكن ياسين كان على وشه غضب مرعب.
مسك دراعى محاولًا يبعدني عن التوأم.
آدم اتحرك فورًا ووقف بيني وبينه.
لو سمحت، متلمسش ماما.
ياسين بصله بحدة.
إنت فاهم إنت بتكلم مين؟
آدم رد بثبات
أيوه. بكلم الراجل اللي قال إنه معندوش ولاد، وبعدين اتعصب لما ولاده ظهروا قدامه.
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات سريعة جاية من ناحية المسرح.
كانت والدته، سوسن هانم، اللي وصلت بعدما لاحظت التجمع.
أول ما شافتني، وشها اتقلب.
إنتِ؟! إنتِ إيه اللي رجعك هنا؟ مش كفاية اللي عملتيه زمان؟!
بصيتلها وابتسمت ابتسامة صغيرة.
مساء الخير يا طنط سوسن. لسه زي ما إنتِ، أول ما تشوفي حد بتحاولي تخوفيه قبل ما تسمعيه.
وبعدين أشرت للتوأم.
على فكرة، دول أحفادك.
سوسن هانم بصت للطفلين، ولأول مرة في حياتها تقريبًا، الكلام وقف في زورها.
لكنها سرعان ما لمّت نفسها، وقالت
أي كلام! ممكن أي واحدة تجيب طفلين شبه أي حد وتيجي تبتزّه!
نادين، المحامية بتاعتي، كانت واقفة على بُعد خطوات، ومعاها ملف أسود.
تقدمت بهدوء وقالت
كويس إن حضرتك فتحتي موضوع الإثبات يا مدام سوسن. لأننا فعلًا جايين ومعانا المستندات.
ياسين لف ناحيتها.
وإنتِ مين؟
الأستاذة نادين فؤاد، المحامية الموكلة عن السيدة مريم عبدالسلام، وعن حقوق طفليها القُصّر.
فتحت الملف، وطلعت شهادة ميلاد آدم، وشهادة ميلاد ليلى، وأوراقًا رسمية تخص إثبات النسب، ومعاها مستندات إضافية.
ياسين مد إيده ناحية الأوراق، لكن نادين ما سلمتهالوش.
قالت بوضوح
فيه تقارير طبية قديمة، وشهادات ميلاد، ومراسلات، ومستندات مالية مرتبطة باتفاق الطلاق. ولو حضرتك بتشكك في نسب الطفلين، إحنا مستعدين نلجأ لاختبار DNA عن طريق جهة معتمدة، وفق الإجراءات القانونية.
ياسين بصلي وكأنه مش قادر يستوعب.
إنتِ كنتِ حامل وقتها؟
هزيت راسي.
أيوه.
وإزاي مخبرتنيش؟!
ضحكت ضحكة قصيرة، من غير أي فرحة.
أنا حاولت أوصلك.
ثم أخرجت من حقيبتي ظرفًا قديمًا، حوافه مصفرة من الزمن.
ده خطاب بعتّهولك من عشر سنين، بعد ما عرفت إني حامل. رجعلي من غير ما يوصل لك.
مديت الظرف لنادين، وهي عرضت عليه صورة منه.
ياسين قرأ اسمه المكتوب بخطي، وفضل يبص للظرف كأنه شايف شبحًا.
لكن أمه خطفته من إيده، ومزقته بعصبية.
كفاية تمثيل! الحفل ده مش مكان لفضايحك!
نادين بصتلها ببرود.
للأسف يا مدام سوسن، تمزيق صورة الخطاب مش هيغيّر اللي حصل، خصوصًا إن عندنا نسخة موثقة منه.
في اللحظة دي، بدأت الهمسات تتحول لأسئلة مباشرة.
صحفي رفع صوته
أستاذ ياسين، هل حضرتك كنت عارف إن عندك طفلين؟
وصحفية تانية سألت
هل الكلام اللي قلته في التلفزيون كان كذب؟
ياسين رفع إيده يطلب الهدوء.
أنا… أنا مكنتش أعرف بوجودهم.
بصيتله وقلت
يمكن. لكنك كنت تعرف إنك طلقتني وأنا حامل؟ لأ، طبعًا ماكنتش تعرف، لأنك أصلًا ما استنيتش تسمع مني أي كلمة. إنت رميتلي فلوس، وطلبت مني أختفي.
ثم أشرت لآدم وليلى.
العشر سنين اللي فاتوا، دول كانوا موجودين. كانوا بيكبروا، وبيمرضوا، وبيفرحوا، وبيسألوني أسئلة مكنتش بعرف أجاوب عليها. لكنك إنت كنت مشغول ببناء إمبراطوريتك، وبتقول للناس إنك محروم من حاجة إنت بنفسك رفضتها من غير ما تعرف.
لأول مرة، ياسين ملاقاش رد.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
نادين بصت في ساعتها، وبعدين قالت
بما إننا بقينا قدام شهود، أعتقد إن الوقت مناسب نوضح سبب وجود ملف تاني معانا الليلة دي.
سوسن هانم اتحركت بعصبية.
مفيش حاجة تانية تتقال!
نادين تجاهلتها، وطلعت ورقة عليها ختم رسمي.
دي صورة من مستندات اتفاق الطلاق القديم، ومعاها مستندات مالية بنطلب مراجعتها قانونيًا. والأهم، فيه تسجيل صوتي مرتبط بالاتفاق ده، تم الحصول عليه من مصدر مشروع، وهيتم تقديمه للجهات المختصة للتحقق منه.
ياسين بص لأمه.
ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عيني سوسن.
مش خوف من فضيحة عائلية.
كان خوف واحدة اكتشفت إن الماضي اللي دفنته بإيديها رجع يطالبها بالحساب.
السر اللي كانت سوسن هانم فاكرة إنه مات من عشر سنين
نادين حطت الورقة على الترابيزة اللي جنب المسرح، وقالت
قبل ما نبدأ، أحب أوضح إن موكلتي مش جاية تطلب صدقة من حد، ولا بتساوم على سكوتها. هي جاية تطالب بحقوق طفليها، وعايزة الحقيقة تظهر كاملة.
ياسين مسح وشه بإيده، وبص لأمه.
ماما، إنتِ عارفة حاجة عن الموضوع ده؟
سوسن ردت بسرعة مبالغ فيها
طبعًا لأ! دي واحدة كانت عايزة تدمرك من يوم ما عرفتك!
لكن ياسين ما ردش عليها. فضل باصص لها، كأنه لأول مرة بيحاول يشوفها من غير

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *