بعد عشر سنين من يوم ما جوزي رماني ب جنيه وطردني من حياته وأنا حامل في توأم، شوفته بالصدفة على التلفزيون وهو بيقول لملايين الناس أكبر ندم في حياتي إني مخلفتش! بصيت للولد والبنت اللي عندهم عشر سنين، واللي نايمين جنبي، والاتنين واخدين ملامحه نسخة منه، وضحكت من قلبي. وبعت رسالة لمحاميّتي جهّزي الدعوات… أنا والتوأم هنحضر حفل شركته، وهنكون ضيوف الشرف! اسمي مريم عبدالسلام، وطليقي، ياسين عبدالسلام، بقى واحد من أشهر وأغنى رجال الأعمال في مصر، ومالك مجموعة شركات اسمها عبدالسلام جروب. الليلة دي، كان طالع في لقاء تلفزيوني، وشكله زي الفل. بدلة متفصّلة عليه بالملي، ساعة غالية، وكلام محسوب، وحزن مرسوم على وشه كأنه خارج من مسلسل درامي. المذيع مال ناحيته وسأله يا فندم، إنت قدرت في عشر سنين بس تحوّل شركتك لإمبراطورية اقتصادية، واسمك بقى من أكبر الأسماء في عالم البيزنس… إيه أكتر حاجة ندمت عليها في حياتك؟ ياسين نزل عينيه للأرض، وأخد نفس طويل، وقال بصوت كله أسى أنا اديت كل عمري للشغل، ونسيت أبني حياة شخصية حقيقية… نسيت أعمل أسرة. وبعدين قال الجملة اللي خلت الدم ينشف في عروقي أكبر ندم في حياتي إني مخلفتش، وإن مفيش عندي ولاد. في ثواني، مواقع التواصل اتقلبت تعاطف معاه. يا عيني عليه، معاه فلوس الدنيا كلها بس محروم من نعمة العيال! ربنا يعوضه، واضح إنه إنسان محترم ويستاهل يبقى أب. تخيل تبقى ناجح في كل حاجة، إلا إنك تعمل أسرة! قفلت التلفزيون. وبصيت على التوأم اللي نايمين جنبي. آدم، حتى وهو نايم، كان مكشّر حواجبه كأنه داخل اجتماع مع مجلس إدارة شركة، ومش ناوي يوافق على أي صفقة بسهولة. أما ليلى، فكانت نايمة جنبه، خدودها مورّدة وعلى وشها ابتسامة صغيرة. الاتنين عيونهم عيون ياسين. نفس المناخير. ونفس تعبيرات وشه اللي كنت بحفظها من غير ما أحس. من عشر سنين بالظبط، أبوهم رمى عليّا الفلوس وأنا واقفة تحت المطر، وقاللي باحتقار خدي الفلوس دي، وغوري من حياتي يا مريم! عمري ما نسيت نبرة صوته وهو بيكمل ومش عايز أشوف وشك تاني، فاهمة؟ إنتِ بالنسبالي صفحة واتقفلت! وقتها، كان لسه ميعرفش إني حامل في توأم. بعد الطلاق، عشت شهور الحمل لوحدي في شقة صغيرة على قدّي. كنت بصحى من النوم وأنا برجع من كتر التعب، ومفيش حد يجيبلي حتى كوباية مية. لما كنت بروح الطوارئ، كنت بروح لوحدي. ولما التوأم اتولدوا، كنت بشيل واحد على دراعي والتاني على دراعي التاني، وأجري بيهم في ممرات المستشفى وأنا مرعوبة يحصلهم حاجة، ومفيش حد جنبي يطمني أو حتى يقولي متخافيش، هيبقوا كويسين. عدّت عليّا ليالي كنت بعيط فيها من التعب، وأيام مكنش معايا فيها غير تمن الحاجات الأساسية، ومع ذلك كنت بحاول أوفّر لولادي كل اللي أقدر عليه. بس أنا عديت كل ده. وقفت على رجلي، واشتغلت، وكافحت، وربّيت ولادي لحد ما بقوا عندهم عشر سنين. وفي الآخر، أبوهم طلع على التلفزيون، ومَحا وجودهم من حياته بكلمتين! مسكت موبايلي، وفتحت المحادثة مع المحامية بتاعتي، نادين. كتبتلها يا نادين، خلاص… هننفّذ اللي اتفقنا عليه. ردّت عليّا في نفس اللحظة دعوات الحفل جاهزة. أوراق إثبات النسب جاهزة. وملف الأدلة كامل. حتى الصحفيين اللي اتكلمنا معاهم جاهزين. حمد لله على السلامة يا مريم… أخيرًا رجعتي! تاني يوم بعد الضهر، قابلت نادين في كافيه هادي، وبدأت تطلع ورقة ورا ورقة من الملف اللي معاها. قالتلي الحفل السنوي الكبير بتاع مجموعة عبدالسلام يوم السبت. ياسين هيطلع يلقي كلمته الساعة تمانية ونص بالليل. وبعدين حطت صباعها على جدول الحفل وقالت إحنا هندخل الساعة تمانية وخمسة وأربعين بالظبط. هزّيت راسي بالموافقة. لكن قبل ما أقوم، زقّت ناحيتي ملف تاني. فتحته، ولقيت فيه أوراق قديمة تخص اتفاق الطلاق اللي حماتي وقتها ضغطت عليّا عشان أمضي عليه، ومعاها حسابات دقيقة لكل حقوق ولادي اللي اتحرموا منها طول عشر سنين. الرقم اللي كان مكتوب في آخر الملف كان كفيل يخليني أعيش أنا وولادي من غير ما نحتاج لحد طول عمرنا. نادين بصتلي وقالت المبلغ ده مش قليل يا مريم، ودي حقوق لازم ترجعلهم. لو هنمشي في الإجراءات القانونية، لازم تبقي مستعدة لكل اللي هيحصل. قفلت الملف بهدوء. أنا مش داخلة أدوّر على الفلوس يا نادين. بصتلي باستغراب وسألتني أمال عايزة إيه؟ رفعت عيني ليها وقلت عايزة ياسين يبص في وش عياله. سكتّ لحظة، وبعدين كملت وبعدها عايزاه يشرح قدام الناس كلها إزاي واحد عنده ابن وبنت عندهم عشر سنين، قدر يقنع الدنيا كلها إنه عمره ما خلّف! نادين فضلت باصة ليّا شوية، وبعدها قفلت الملف وقالت خلاص يا مريم… يبقى نخلي الحقيقة هي اللي تتكلم. في الليلة دي، رجعت البيت وقعدت التوأم قدامي. كنت عارفة إنهم كبروا بما يكفي إنهم يفهموا الحقيقة، حتى لو كانت الحقيقة دي هتوجعهم. حكيتلهم عن أبوهم، وعن اللي حصل بيني وبينه، وعن السنين اللي عدّت من غير ما يسأل عنهم أو يعرف حتى إنهم موجودين. وكنت واضحة معاهم في أهم نقطة إنتوا مش وسيلة أنتقم بيها من حد، ولا مطلوب منكم تثبتوا لأي إنسان إنه غلطان. لو مش عايزين تروحوا الحفل، مش هنروح. قراركم مهم عندي، ومش هضغط على حد فيكم. آدم عدّل نضارته، وسكت ثواني كأنه بيراجع المعلومات اللي سمعها، وبعدين قال بمنتهى الجدية يعني من الناحية البيولوجية، هو أبويا… إنما من الناحية العاطفية، فهو تقريبًا متبرع بالحيوانات المنوية وخلاص؟ بصيتله بصدمة. آدم! رفع كتفه وقال بكل برود إيه؟ أنا بس بحاول أوصف الوضع بدقة علمية! ليلى انفجرت من الضحك، لدرجة إنها وقعت على الكنبة وهي مش قادرة تتكلم. لكن آدم فجأة بطل هزار، وبصلي في عيني وقال أنا موافق أروح. سألته متأكد يا حبيبي؟ هز راسه وقال أيوه. بس عندي شرط. شرط إيه يا سيدي؟ قال بمنتهى الثقة عايز عشرة في المية من أي فلوس هنرجّعها من حقوقنا. فتحت عيني على آخرها. عشرة في المية؟! وإنت هتعمل بيهم إيه إن شاء الله؟ رد من غير ما يتردد رأس مال لمشروع هفتحه لما أكبر. فضلت باصة له وأنا مش مصدقة. عشر سنين من غير ما يشوف ياسين، ومع ذلك الولد ورث منه عقلية البيزنس والمفاوضات! ليلى قامت من مكانها فجأة وقالت بحماس وأنا كمان جاية! وبعدين جريت على أوضتها ورجعت وهي شايلة فستانها الأزرق اللامع، ورفعته قدامي بفخر. هلبس ده! عايزاه يشوف بنفسه البنت اللي عمره ما عرف إنها موجودة، واللي ضيّع عشر سنين من عمرها من غير ما يعرف عنها حاجة! الكلام ده خلاني أسكت. مدّيت إيدي وشديتهم ، واحد من الناحية دي والتانية من الناحية دي. من عشر سنين، ياسين رماني برّه حياته وهو فاكر إني ست غلبانة، معنديش حاجة أقدر أواجهه بيها. كان فاكر إن شوية فلوس يرمِيهم في وشي كفاية عشان يشتري راحته، ويمسحني من ذاكرته للأبد. مكانش يعرف إنه ساب وراه حكاية كاملة، وإن الحكاية دي كبرت قدامه من غير ما ياخد باله. ويوم السبت، وأنا داخلة القاعة اللي هيتعمل فيها أهم حفل في السنة بالنسبة لشركته، مش هكون لوحدي. هكون داخلة ومعايا أغلى حاجتين في حياتي. ابنه وبنته. وفي تمام الساعة تمانية وخمسة وأربعين دقيقة، بينما ياسين عبدالسلام واقف تحت أضواء القاعة الفخمة، وسط رجال الأعمال وكبار الشخصيات والصحفيين، وبيحاول يحافظ على الصورة المثالية اللي بناها لنفسه على مدار عشر سنين… أبواب القاعة هتتفتح. وهظهر أنا، مريم عبدالسلام، واقفة بين آدم وليلى. الولد والبنت اللي شبهه درجة يستحيل معاها ينكرهم. واللي كان بيقول قدام ملايين الناس إنه عمره ما خلّف. لكن اللي ياسين مكانش يعرفه إن دخولي القاعة مش هيكون المفاجأة الوحيدة في الليلة دي… لأن نادين كانت مخبّية في الملف الأسود اللي معاها ورقة واحدة، لو اتكشفت قدام الناس، مش بس هتغيّر نظرة ياسين لولاده… دي ممكن تقلب إمبراطوريته كلها فوق دماغه! القصة أطول من إنها تتحط في الكابشن، فلو عايز تعرف إيه اللي حصل لما مريم دخلت الحفل، وإيه السر اللي كان مستخبي في الملف، الليلة اللي ياسين عبدالسلام اكتشف فيها إن عنده توأم… وخسر الإمبراطورية اللي بناها على كذبة! الساعة كانت تمانية وخمسة وأربعين دقيقة بالظبط، وأبواب القاعة الكبيرة في فندق فخم بالتجمع الخامس اتفتحت. كان ياسين عبدالسلام واقف على المسرح، وسط تصفيق رجال الأعمال وكبار الشخصيات، وخلفه شاشة ضخمة مكتوب عليها اسم مجموعته الاستثمارية عبدالسلام جروب. كان لسه مخلّص كلمته عن النجاح والتضحيات، وبيستعد يستقبل جايزة رجل الأعمال الأكثر تأثيرًا في السنة. وفجأة، التصفيق بدأ يهدى. الناس اللي واقفة ناحية المدخل ابتدت تهمس، والعيون كلها اتجهت لست لابسة فستان أسود أنيق، داخلة بخطوات ثابتة، وعلى يمينها ولد لابس بدلة كحلي، وعلى شمالها بنت لابسة فستان أزرق لامع. ياسين بص ناحيتهم بضيق في الأول، مستغرب مين اللي قرر يدخل في اللحظة دي بالذات. لكن أول ما الولد رفع عينيه ناحية المسرح، الكوباية اللي في إيد ياسين وقعت على الأرض واتكسرت. الولد كان نسخة منه. نفس العينين، ونفس شكل الأنف، وحتى نفس الطريقة اللي بيرفع بيها حاجبه لما يستغرب حاجة. والبنت… كانت شبهه بشكل خلّى أكتر من شخص في القاعة يبص للتاني في ذهول. ياسين نزل من على المسرح بسرعة، وشق طريقه وسط الحضور، لحد ما وقف قدام مريم. وشه كان شاحب، وصوته خرج متقطع مريم؟! بصيتله بهدوء. مساء الخير يا ياسين. مبروك على الجايزة. بص للتوأم، وبعدين رجع بصلي. مين الولدين دول؟ آدم عقد حواجبه وقال تصحيح بسيط يا فندم، إحنا ولد وبنت، مش ولدين. واحد من رجال الأعمال اللي واقفين قريب منهم كتم ضحكته، لكن ياسين ماخدش باله. كان لسه مركز مع ملامح الطفلين. إنتِ بتعملي إيه هنا؟ وإيه اللي جابك بعد عشر سنين؟! رفعت حاجبي وقلت غريبة! هو مش المفروض إنك مبسوط؟ من كام يوم بس كنت بتقول في التلفزيون إن أكبر ندم في حياتك إنك مخلفتش. اتغير لون وشه. إنتِ بتتكلمي عن إيه؟ ليلى ردت قبل ما أتكلم عن إن حضرتك قلت إن معندكش ولاد. إحنا شفنا اللقاء، على فكرة. أنا كنت عايزة أعرف هو إحنا مش محسوبين ولا إيه؟ القاعة كلها بدأت تسكت تدريجيًا. كاميرات الصحفيين اتوجهت ناحيتنا، والناس اللي كانت جاية تحتفل بنجاح ياسين بقت واقفة مستنية تعرف إيه اللي بيحصل. ياسين حاول يستعيد سيطرته، وقال بصوت واطي وغاضب مريم، مش هنا. تعالي نتكلم في مكتبي. قلتله ليه؟ مش إنت اللي قلت قدام ملايين الناس إنك محروم من الأطفال؟ أهو إحنا جينا نخفف عنك الحرمان! بعض الحضور مقدروش يمنعوا نفسهم من الضحك، لكن ياسين كان على وشه غضب مرعب. مسك دراعى محاولًا يبعدني عن التوأم. آدم اتحرك فورًا ووقف بيني وبينه. لو سمحت، متلمسش ماما. ياسين بصله بحدة. إنت فاهم إنت بتكلم مين؟ آدم رد بثبات أيوه. بكلم الراجل اللي قال إنه معندوش ولاد، وبعدين اتعصب لما ولاده ظهروا قدامه. في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات سريعة جاية من ناحية المسرح. كانت والدته، سوسن هانم، اللي وصلت بعدما لاحظت التجمع. أول ما شافتني، وشها اتقلب. إنتِ؟! إنتِ إيه اللي رجعك هنا؟ مش كفاية اللي عملتيه زمان؟! بصيتلها وابتسمت ابتسامة صغيرة. مساء الخير يا طنط سوسن. لسه زي ما إنتِ، أول ما تشوفي حد بتحاولي تخوفيه قبل ما تسمعيه. وبعدين أشرت للتوأم. على فكرة، دول أحفادك. سوسن هانم بصت للطفلين، ولأول مرة في حياتها تقريبًا، الكلام وقف في زورها. لكنها سرعان ما لمّت نفسها، وقالت أي كلام! ممكن أي واحدة تجيب طفلين شبه أي حد وتيجي تبتزّه! نادين، المحامية بتاعتي، كانت واقفة على بُعد خطوات، ومعاها ملف أسود. تقدمت بهدوء وقالت كويس إن حضرتك فتحتي موضوع الإثبات يا مدام سوسن. لأننا فعلًا جايين ومعانا المستندات. ياسين لف ناحيتها. وإنتِ مين؟ الأستاذة نادين فؤاد، المحامية الموكلة عن السيدة مريم عبدالسلام، وعن حقوق طفليها القُصّر. فتحت الملف، وطلعت شهادة ميلاد آدم، وشهادة ميلاد ليلى، وأوراقًا رسمية تخص إثبات النسب، ومعاها مستندات إضافية. ياسين مد إيده ناحية الأوراق، لكن نادين ما سلمتهالوش. قالت بوضوح فيه تقارير طبية قديمة، وشهادات ميلاد، ومراسلات، ومستندات مالية مرتبطة باتفاق الطلاق. ولو حضرتك بتشكك في نسب الطفلين، إحنا مستعدين نلجأ لاختبار DNA عن طريق جهة معتمدة، وفق الإجراءات القانونية. ياسين بصلي وكأنه مش قادر يستوعب. إنتِ كنتِ حامل وقتها؟ هزيت راسي. أيوه. وإزاي مخبرتنيش؟! ضحكت ضحكة قصيرة، من غير أي فرحة. أنا حاولت أوصلك. ثم أخرجت من حقيبتي ظرفًا قديمًا، حوافه مصفرة من الزمن. ده خطاب بعتّهولك من عشر سنين، بعد ما عرفت إني حامل. رجعلي من غير ما يوصل لك. مديت الظرف لنادين، وهي عرضت عليه صورة منه. ياسين قرأ اسمه المكتوب بخطي، وفضل يبص للظرف كأنه شايف شبحًا. لكن أمه خطفته من إيده، ومزقته بعصبية. كفاية تمثيل! الحفل ده مش مكان لفضايحك! نادين بصتلها ببرود. للأسف يا مدام سوسن، تمزيق صورة الخطاب مش هيغيّر اللي حصل، خصوصًا إن عندنا نسخة موثقة منه. في اللحظة دي، بدأت الهمسات تتحول لأسئلة مباشرة. صحفي رفع صوته أستاذ ياسين، هل حضرتك كنت عارف إن عندك طفلين؟ وصحفية تانية سألت هل الكلام اللي قلته في التلفزيون كان كذب؟ ياسين رفع إيده يطلب الهدوء. أنا… أنا مكنتش أعرف بوجودهم. بصيتله وقلت يمكن. لكنك كنت تعرف إنك طلقتني وأنا حامل؟ لأ، طبعًا ماكنتش تعرف، لأنك أصلًا ما استنيتش تسمع مني أي كلمة. إنت رميتلي فلوس، وطلبت مني أختفي. ثم أشرت لآدم وليلى. العشر سنين اللي فاتوا، دول كانوا موجودين. كانوا بيكبروا، وبيمرضوا، وبيفرحوا، وبيسألوني أسئلة مكنتش بعرف أجاوب عليها. لكنك إنت كنت مشغول ببناء إمبراطوريتك، وبتقول للناس إنك محروم من حاجة إنت بنفسك رفضتها من غير ما تعرف. لأول مرة، ياسين ملاقاش رد. لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية. نادين بصت في ساعتها، وبعدين قالت بما إننا بقينا قدام شهود، أعتقد إن الوقت مناسب نوضح سبب وجود ملف تاني معانا الليلة دي. سوسن هانم اتحركت بعصبية. مفيش حاجة تانية تتقال! نادين تجاهلتها، وطلعت ورقة عليها ختم رسمي. دي صورة من مستندات اتفاق الطلاق القديم، ومعاها مستندات مالية بنطلب مراجعتها قانونيًا. والأهم، فيه تسجيل صوتي مرتبط بالاتفاق ده، تم الحصول عليه من مصدر مشروع، وهيتم تقديمه للجهات المختصة للتحقق منه. ياسين بص لأمه. ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عيني سوسن. مش خوف من فضيحة عائلية. كان خوف واحدة اكتشفت إن الماضي اللي دفنته بإيديها رجع يطالبها بالحساب. السر اللي كانت سوسن هانم فاكرة إنه مات من عشر سنين نادين حطت الورقة على الترابيزة اللي جنب المسرح، وقالت قبل ما نبدأ، أحب أوضح إن موكلتي مش جاية تطلب صدقة من حد، ولا بتساوم على سكوتها. هي جاية تطالب بحقوق طفليها، وعايزة الحقيقة تظهر كاملة. ياسين مسح وشه بإيده، وبص لأمه. ماما، إنتِ عارفة حاجة عن الموضوع ده؟ سوسن ردت بسرعة مبالغ فيها طبعًا لأ! دي واحدة كانت عايزة تدمرك من يوم ما عرفتك! لكن ياسين ما ردش عليها. فضل باصص لها، كأنه لأول مرة بيحاول يشوفها من غير الصورة اللي رسمها لنفسه عنها طول عمره. نادين فتحت الملف الأسود، وطلعت صورة من خطاب قديم. ده مش كل شيء. عندنا دليل إن فيه مراسلات اتبعتت لعنوان الشركة القديم، وإن فيه حد استلمها ووقّع على استلامها. هنطلب من الجهات المختصة فحص المستندات وتحديد المسؤولية. سوسن هانم شهقت. مستحيل! الصوت خرج منها قبل ما تلحق تسيطر على نفسها. ياسين لف ناحيتها ببطء. مستحيل إيه يا ماما؟ سكتت. لكن سكوتها المرة دي كان أخطر من أي اعتراف. نادين كملت إحنا مش هنصدر أحكام على حد في القاعة دي. كل اللي نقدر نقوله إن فيه مستندات تستحق التحقيق، وإننا هنمشي في الإجراءات القانونية للنهاية. وفجأة، صوت جه من آخر القاعة وأنا أقدر أساعد في التحقيق ده. كل الناس بصت ناحية الصوت. كان راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي، وشايل شنطة جلد قديمة. ياسين عرفه فورًا. عم صبري؟! ده كان صبري، المحاسب السابق للشركة، اللي اختفى من حياة ياسين من سبع سنين بعد خلاف كبير مع الإدارة. ياسين اتقدم ناحيته. إنت إيه اللي جابك هنا؟ صبري بص له بحزن. جاي أصلّح غلطة سكتّ عليها سنين. أنا كنت المحاسب المسؤول عن حسابات الشركة وقت طلاقك من مريم. وساعتها اكتشفت إن فيه تحويلات مالية كبيرة اتعملت من حسابات الشركة لحساب شركة تانية، مسجلة باسم شخص قريب من والدتك. سوسن هانم صرخت كداب! صبري فتح شنطته، وطلع نسخًا من مستندات مالية قديمة. أنا مش هتهم حد من غير تحقيق. لكن معايا صور من القيود المحاسبية الأصلية، وعندي ما يثبت إن بعض التحويلات اتسجلت تحت بند مصروفات قانونية، رغم إن المستفيد الحقيقي كان مختلفًا. ياسين أخد الأوراق، وبدأ يقلب فيها بسرعة. كان عارف الأرقام دي. أو بالأصح، كان عارف إن الأرقام دي مش منطقية. من سنين، فريق المراجعة الداخلي كان لاحظ وجود فروق مالية، لكن والدته أكدت له إن كل شيء اتراجع واتقفل. وهو صدقها، لأنه كان شايف إن مفيش حد ممكن يكون أمين عليه أكتر منها. رفع عينيه لصبري. ليه مجتش من زمان؟ صبري نزل راسه. خفت على عيالي. اتقال لي وقتها إن لو اتكلمت، مستقبلي المهني هينتهي. وبعد ما مشيت من الشركة، حاولت أنسى الموضوع. لكن لما شوفتك على التلفزيون بتقول إنك محروم من الأولاد، وأنا عارف إن فيه ست اتظلمت، وإن فيه حسابات اتدفنت، مقدرتش أسكت أكتر من كده. ياسين بص لأمه. إنتِ كنتِ عارفة إن مريم حامل؟ سوسن هانم فتحت بقها، وبعدين قفلته. أنا… أنا كنت بحاول أحميك. تحميني من إيه؟ من ابني وبنتي؟! كانت مش مناسبة ليك! إنت كنت بتبني مستقبلك، وهي كانت هتعطلك! ليلى شدت إيدي بقوة. آدم وقف ساكت، لكن عينيه كانت مثبتة على جدته. أما أنا، فحسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي. كنت متوقعة أشوف إنكارًا، وكنت متوقعة أشوف غضبًا، لكني مكنتش متخيلة إن الست اللي حرمت ولادي من أبوهم ممكن تقول الكلام ده قدامهم بكل البرود ده. ياسين صوته على ردي عليّا! إنتِ كنتِ عارفة ولا لأ؟! سوسن هانم بصت حواليها، لقت الكاميرات والعيون كلها متعلقة بيها، فحاولت ترجع للعبتها القديمة. أنا أمك يا ياسين! بعد كل اللي عملته عشانك، هتوقف مع واحدة غريبة ضدي؟! ياسين رد بصوت مبحوح مريم مش غريبة. دي أم ولادي! الجملة نزلت على سوسن كأنها صفعة. لكنها فجأة قالت أيوه، كنت عارفة إنها حامل! وكنت عارفة إنها بعتت لك! لكني كنت بحاول أحافظ عليك! هي كانت هتخليك تتنازل عن كل حاجة، وأنا مش هسمح لحد يضيّع اللي بنيته بإيدي! القاعة غرقت في صمت كامل. ياسين رجع خطوة لورا. إنتِ منعتي عني خطابها؟ سوسن ما ردتش. إنتِ خبيتي عني إن عندي ولاد؟ فضلت ساكتة. وبعدين قال الجملة اللي غيرت شكل الليلة كلها يبقى إنتِ اللي ضيّعتي عشر سنين من عمري، مش مريم. سوسن هانم حاولت تقرب منه، لكنه رجع لورا. متقربيش مني دلوقتي. لأول مرة، ياسين رفض ينفذ رغبتها. ولأول مرة، هي اللي وقفت لوحدها وسط القاعة. لكن اللي حصل بعد كده كان أكبر من مجرد اعتراف غاضب. لأن التسجيل الصوتي اللي نادين أشارت له، لما اتراجع ضمن الإجراءات القانونية، ساعد في كشف تفاصيل أكتر عن الطريقة اللي تم بيها إخفاء بعض المراسلات، إلى جانب المستندات المحاسبية اللي قدمها صبري. والتحقيقات الرسمية هي اللي هتحدد بالضبط مين مسؤول عن كل مخالفة، ومين شارك فيها، ومين حاول يستفيد منها. أما الليلة دي، فكانت مجرد بداية. اختبار ال… والحقيقة اللي مفيش حد قدر ينكرها بعد الحفل، ياسين طلب يقابلني في مكان هادي. رفضت في البداية. مش لأني كنت خايفة منه، لكن لأني مكنتش مستعدة أسمع اعتذارات متأخرة لمجرد إنه اتفضح قدام الناس. نادين قالتلي إنتِ مش مضطرة تقابليه. لكن لو حابة تسمعيه، خلي المقابلة في وجودي، وكل حاجة تخص الأطفال تكون واضحة. وافقت، بشرط إن آدم وليلى هما كمان يكون ليهم رأي. بعد يومين، اتقابلنا في مكتب المحامية. ياسين دخل من غير البدلة الفخمة اللي شوفته بيها في الحفل. كان لابس قميص بسيط، وشكله مرهق، كأنه مغمضش عينه من يومها. وقف قدام التوأم، لكنه ما حاولش ولا يتصرف كأنه يعرفهم. قال بهدوء أنا عارف إنكم مش مضطرين تسامحوني، ولا حتى تحبوني. وأنا مش جاي أطلب منكم تنادوني بابا. أنا جاي أقول لكم إني آسف على حاجة حصلت قبل ما أعرف إنكم موجودين. آدم سأله مباشرة لو ماما مكنتش ظهرت في التلفزيون، كنت هتعرف إن عندك ولاد؟ ياسين اتجمد. السؤال كان بسيط، لكن إجابته كانت أصعب من أي مواجهة حصلت في القاعة. بعد لحظة طويلة، قال الحقيقة؟ غالبًا لأ. ودي حاجة هفضل ندمان عليها طول عمري. ليلى بصت له وقالت طب إنت زعلان عشان ضيعتنا، ولا عشان الناس عرفت إنك كدبت؟ ياسين نزل عينيه. في الأول كنت خايف من الفضيحة، ومش هكدب عليكم. لكن لما شوفتكم، فهمت إن فيه حاجات في الحياة مينفعش تتعوض بالفلوس ولا بالنجاح. ليلى مردتش. وآدم قال الكلام سهل. إحنا مش عارفينك أصلًا. ياسين هز راسه. عندك حق. المرة دي، ما حاولش يبرر نفسه. وبعد موافقة الأطراف المعنية، اتعمل اختبار DNA عن طريق جهة معتمدة، وفق الإجراءات المتبعة. بعد أيام، النتيجة وصلت. نسبة إثبات الأبوة كانت أعلى من 99 99. ياسين كان الأب البيولوجي للتوأم بالفعل. لما نادين قالت النتيجة، ياسين قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه. وبكى. مش البكاء اللي الناس بتشوفه في اللقاءات التلفزيونية، ولا الحزن المحسوب اللي بيظهر بيه قدام الكاميرات. كان بكاء راجل أدرك إن فيه عشر سنين من عمر طفلين مش هيقدر يرجعهم مهما دفع. لكن بالنسبة لي، النتيجة مكنتش مفاجأة. أنا كنت عارفة الحقيقة من أول يوم. اللي اتغير هو إنه أخيرًا اضطر يبص لها. العرض اللي رفضته… والشرط اللي حطيته بعد أسبوع، ياسين طلب يقابلني لوحدي، في وجود نادين. قعد قدامي، وفتح ملف صغير. أنا عارف إن أي مبلغ مش هيعوضك عن اللي عشتيه، لكني عايز أرجع لك كل حقوقك وحقوق الأولاد، وأوفر لهم أفضل تعليم ورعاية، وأعمل لهم حسابات مالية باسمهم. بصيت للملف، وبعدين بصيت له. حقوقهم مش هدية منك يا ياسين. دي حقوقهم، سواء كنت عايز تشوفهم أو لأ. هز راسه. فاهم. والتعليم والعلاج والنفقة هيتحددوا باتفاق قانوني واضح، وتحت إشراف المحامين. مش هسمح إن الفلوس تبقى وسيلة ضغط عليهم، ولا إنك تستخدمها عشان تشتري حبهم. قال بسرعة موافق. وبعدين سكت شوية قبل ما يسأل وإنتِ؟ إيه اللي ممكن أعمله عشان تسامحيني؟ بصيت له طويلًا. من عشر سنين، كنت هتمنى أسمع السؤال ده. كنت هتمنى إنه يرجع، ويقول غلطان، وإنه مستعد يصلح كل حاجة. لكن لما السؤال جه أخيرًا، اكتشفت إن الست اللي كانت مستنياه زمان مبقتش موجودة. قلت له أنا مش عايزة منك حاجة لنفسي. أنا بنيت حياتي، وربيت ولادي، ووقفت على رجلي من غيرك. مش محتاجة ترجع عشان أحس إني كسبت. يعني مفيش أمل؟ فيه أمل إنك تبقى أب كويس لولادك. إنما إنك ترجع تبقى جوزي؟ لأ يا ياسين. إحنا انتهينا من عشر سنين، ومش كل حاجة بتتصلح باعتذار. سكت، وبعدين قال هحترم قرارك. ولأول مرة، صدقته في حاجة واحدة على الأقل إنه مكنش بيحاول يجبرني أغير رأيي. لكن قبل ما أقوم، حطيت إيدي على الملف وقلت فيه شرط أخير. بصلي باهتمام. اتفضلِي. لو عايز تدخل حياة آدم وليلى، لازم تفهم إنك مش هتدخلها بصفتك الملياردير ياسين عبدالسلام. هتدخلها بصفتك أبوهم، ودي مسؤولية مش لقب. مش هتختفي لما تتعب، ومش هتظهر بس لما تكون فاضي، ومش هتستخدمهم في صورتك قدام الناس. ياسين رد من غير تردد موافق. قلت له متوعدنيش. أثبت ده مع الوقت. وقمت ومشيت. الإمبراطورية بدأت تقع… لكن مش بالطريقة اللي توقعها حد في الشهور اللي بعدها، حصلت تغييرات كبيرة في مجموعة عبدالسلام. مجلس الإدارة طلب مراجعة مالية مستقلة لكل الحسابات القديمة، وتم تعليق صلاحيات بعض المسؤولين لحين انتهاء التحقيقات. التحقيق كشف مخالفات مالية وتجاوزات في مستندات مرتبطة ببعض التحويلات القديمة، واتضح إن فيه أموال خرجت من الشركة من غير ما تمر بالإجراءات السليمة. لكن الأهم إن التحقيقات ما اكتفتش باللي حصل من عشر سنين؛ بدأت تراجع ملفات أحدث كمان. وسوسن هانم، اللي كانت طول عمرها بتتصرف كأن الشركة ملكها الشخصي، لقت نفسها مطالبة بالرد على أسئلة قانونية ومالية صعبة. بعد مراجعة الأدلة وسماع أقوال الشهود، اتخذت الجهات المختصة الإجراءات القانونية المناسبة في الوقائع اللي ثبتت فيها مخالفات، واستُبعدت سوسن من أي دور إداري في الشركة لحين انتهاء التحقيقات. أما ياسين، فقرر بنفسه يتنحى مؤقتًا عن رئاسة مجلس الإدارة، لحد ما المراجعة المستقلة تخلص. ناس كتير اعتبرت قراره اعترافًا بالذنب، وناس تانية شافت إنه محاولة لإنقاذ سمعته. لكن اللي حصل فعلًا كان أعقد من الاتنين. لأن ياسين اكتشف إن انشغاله بالنجاح خلاه يثق في أشخاص من غير ما يراجع وراهم، وإنه سمح لصورة العائلة المثالية تتحول لغطاء يخفي تحته أخطاء أكبر من قدرته على تجاهلها. بعد شهور، انتهت المراجعة الأساسية، واتخذت الشركة إجراءات لاسترداد الأموال التي أمكن تتبعها، وبدأت تسويات قانونية بشأن بعض المطالبات. أما حقوق آدم وليلى، فتم الاتفاق عليها رسميًا، واتوثقت التزامات ياسين المالية تجاههما بعيدًا عن أي وعود شفهية. ومع ذلك، مكنتش أكبر خسارة لياسين هي الفلوس، ولا منصبه، ولا صورته في الصحف. كانت أكبر خسارة إنه بقى مضطر يبدأ من الصفر في أهم علاقة في حياته. علاقة مكنش عنده فيها أي امتياز. لأن الطفلين مكنوش مهتمين بثروته. كانوا عايزين يعرفوا إذا كان هييجي في معاد المدرسة، وإذا كان هيفتكر عيد ميلادهم، وإذا كان هيبقى موجود لما يحتاجوه. ودي حاجات مفيش شركة في الدنيا تقدر تضمنهاله. أول مرة ياسين يحضر عيد ميلاد ولاده بعد حوالي ست شهور، آدم وليلى وافقوا يقضوا مع ياسين يومًا كل أسبوع، في مواعيد متفق عليها، ومن غير ما يتغير نظام حياتهم أو دراستهم. في البداية، كانت المقابلات رسمية جدًا. ياسين كان بيسألهم عن المدرسة، وهما بيردوا بإجابات قصيرة. كان بيحاول يجيب لهم هدايا غالية، لكن آدم كان يرفض أغلبها. وفي مرة، ياسين جاب له لابتوب جديد بمواصفات خرافية. آدم بص للجهاز وقال أنا عندي واحد كويس. ياسين اتلخبط. طب ما ده أحسن. مش محتاج أحسن. لو عايز تساعدني، ممكن تساعدني أتعلم برمجة. ياسين فضل باصص له، وبعدها ابتسم ابتسامة حقيقية. اتفقنا. أما ليلى، فكانت بتحب الرسم. وياسين اكتشف إن عندها موهبة كبيرة في تصميم الملابس، فبدأ يروح معاها معارض فنية، لكن من غير ما يحاول يشتري لها كل حاجة تعجبها. كان بيتعلم يسألها إنتِ حابة إيه؟ بدل ما يقرر عنها. وفي عيد ميلاد التوأم الحادي عشر، قرر ينظم لهم حفلة كبيرة في فندق. لكن لما وصل، لقى إنه مفيش فندق ولا زينة ضخمة ولا صحفيين. كان فيه بيتنا، وبالونة صغيرة مكتوب عليها 11 سنة، وتورتة بالشوكولاتة، وبيتزا آدم المفضلة، وكعكة ليلى اللي اختارت شكلها بنفسها. ياسين بصلي باستغراب. إنتوا غيرتوا المكان ليه؟ ليلى ردت إحنا عمرنا ما احتفلنا في فندق. ليه نبدأ دلوقتي؟ آدم أضاف وبعدين، اتفقنا إن عيد ميلادنا مش مؤتمر صحفي. ياسين ضحك، وحط الهدية اللي جابها على الترابيزة. المرة دي، الهدية كانت بسيطة كتاب عن تصميم الألعاب لآدم، ومجموعة أدوات رسم احترافية لليلى. آدم فتح هديته، وبص لأبوه. إنت فاكر إني قلتلك إني عايز أتعلم أعمل ألعاب؟ ياسين ابتسم. فاكر. كانت أول مرة تعملها من نفسها. ياسين اتجمد للحظة، وبعدها ، وعينيه دمعت. أنا كنت واقفة بعيد، بتفرج عليهم. مكنتش غيرانة، ولا حاسة إن حد بياخد مكاني. بالعكس. أنا كنت عايزة ولادي يبقى عندهم أب حقيقي، حتى لو الراجل ده خذلني أنا شخصيًا. لكن كان فيه شيء أهم . إنهم كانوا بيقربوا منه بمزاجهم، مش خوفًا منه، ولا طمعًا في فلوسه، ولا عشان أنا طلبت منهم يسامحوه. وده كان أول دليل حقيقي إن ياسين بدأ يتغير. بعد سنة… رجع للتلفزيون، لكن المرة دي قال الحقيقة بعد سنة كاملة من الليلة اللي دخلت فيها حفل شركته، ياسين ظهر في لقاء تلفزيوني جديد. المذيع سأله أستاذ ياسين، من سنة حضرتك قلت إن أكبر ندم في حياتك إنك مخلفتش. وبعدها بأيام، ظهرت حقيقة إن عندك توأم. إيه اللي اتغير في حياتك من وقتها؟ ياسين سكت لحظات. ثم قال أنا كنت فاكر إن النجاح هو إني أبني شركة كبيرة، وأكسب فلوس كتير، وأخلي الناس كلها تحترمني. لكن اكتشفت إن الواحد ممكن ينجح قدام الناس، وهو فاشل في أهم مسؤولياته. المذيع سأله تقصد علاقتك بأولادك؟ ياسين هز راسه. أقصد كمان علاقتي بالحقيقة. أنا طلقت أمهم من عشر سنين، ومكنتش أعرف إنها حامل. لكن لما ظهرت قدامي، كان المفروض أسمعها بدل ما أفكر في سمعتي. وكان المفروض أتحقق من كل حاجة بدل ما أسيب الغضب والخوف يتحكموا في تصرفاتي. وبعدين بص للكاميرا وقال آدم وليلى مش مسؤولين عن أخطائي، ومش مطلوب منهم يسامحوني عشان أنا أبوهم. أنا اللي مطلوب مني أثبت لهم إني أستحق يكون ليا مكان في حياتهم. المذيع سأله وهل سامحتك مريم؟ ياسين ابتسم بحزن. مريم مش مطالبة تسامحني، ولا ترجع لي. هي أدت ولادنا حب وأمان أنا محضرتش معاهم لحظة واحدة من حياتهم. وأنا هفضل أحترمها على ده، حتى لو فضلت طول عمري أحاول أعوضهم عن غيابي. قفلت التلفزيون. آدم كان قاعد على المكتب بيشتغل على أول لعبة إلكترونية بيصممها، وليلى كانت بترسم فستانًا جديدًا في كراسة كبيرة. بصيت لهم، وحسيت براحة عمري ما عرفتها من عشر سنين. مش لأن ياسين اتعاقب. ولا لأن شركته اتعرضت لأزمة. ولا لأن الناس عرفت الحقيقة. لكن لأن ولادي بقوا عارفين إن قيمتهم مش مرتبطة بوجود أبوهم في حياتهم، وإنهم مش محتاجين يثبتوا لأي حد إنهم يستحقوا الحب. المفاجأة الأخيرة اللي مكنتش في الحسبان بعد شهرين، كنت راجعة من شغلي، ولقيت آدم مستنيني على باب الشقة. ماما، عايز أسألك سؤال. اتفضل يا حبيبي. لو إحنا كنا فضلنا طول عمرنا من غير ما نعرف بابا، كنتِ هتكوني سعيدة؟ السؤال فاجأني. قعدت جنبه وقلت أنا كنت هكون سعيدة بيكم، زي