بعد عشر سنين

الصورة اللي رسمها لنفسه عنها طول عمره.
نادين فتحت الملف الأسود، وطلعت صورة من خطاب قديم.
ده مش كل شيء. عندنا دليل إن فيه مراسلات اتبعتت لعنوان الشركة القديم، وإن فيه حد استلمها ووقّع على استلامها. هنطلب من الجهات المختصة فحص المستندات وتحديد المسؤولية.
سوسن هانم شهقت.
مستحيل!
الصوت خرج منها قبل ما تلحق تسيطر على نفسها.
ياسين لف ناحيتها ببطء.
مستحيل إيه يا ماما؟
سكتت.
لكن سكوتها المرة دي كان أخطر من أي اعتراف.
نادين كملت
إحنا مش هنصدر أحكام على حد في القاعة دي. كل اللي نقدر نقوله إن فيه مستندات تستحق التحقيق، وإننا هنمشي في الإجراءات القانونية للنهاية.
وفجأة، صوت جه من آخر القاعة
وأنا أقدر أساعد في التحقيق ده.
كل الناس بصت ناحية الصوت.
كان راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي، وشايل شنطة جلد قديمة.
ياسين عرفه فورًا.
عم صبري؟!
ده كان صبري، المحاسب السابق للشركة، اللي اختفى من حياة ياسين من سبع سنين بعد خلاف كبير مع الإدارة.
ياسين اتقدم ناحيته.
إنت إيه اللي جابك هنا؟
صبري بص له بحزن.
جاي أصلّح غلطة سكتّ عليها سنين. أنا كنت المحاسب المسؤول عن حسابات الشركة وقت طلاقك من مريم. وساعتها اكتشفت إن فيه تحويلات مالية كبيرة اتعملت من حسابات الشركة لحساب شركة تانية، مسجلة باسم شخص قريب من والدتك.
سوسن هانم صرخت
كداب!
صبري فتح شنطته، وطلع نسخًا من مستندات مالية قديمة.
أنا مش هتهم حد من غير تحقيق. لكن معايا صور من القيود المحاسبية الأصلية، وعندي ما يثبت إن بعض التحويلات اتسجلت تحت بند مصروفات قانونية، رغم إن المستفيد الحقيقي كان مختلفًا.
ياسين أخد الأوراق، وبدأ يقلب فيها بسرعة.
كان عارف الأرقام دي.
أو بالأصح، كان عارف إن الأرقام دي مش منطقية.
من سنين، فريق المراجعة الداخلي كان لاحظ وجود فروق مالية، لكن والدته أكدت له إن كل شيء اتراجع واتقفل. وهو صدقها، لأنه كان شايف إن مفيش حد ممكن يكون أمين عليه أكتر منها.
رفع عينيه لصبري.
ليه مجتش من زمان؟
صبري نزل راسه.
خفت على عيالي. اتقال لي وقتها إن لو اتكلمت، مستقبلي المهني هينتهي. وبعد ما مشيت من الشركة، حاولت أنسى الموضوع. لكن لما شوفتك على التلفزيون بتقول إنك محروم من الأولاد، وأنا عارف إن فيه ست اتظلمت، وإن فيه حسابات اتدفنت، مقدرتش أسكت أكتر
من كده.
ياسين بص لأمه.
إنتِ كنتِ عارفة إن مريم حامل؟
سوسن هانم فتحت بقها، وبعدين قفلته.
أنا… أنا كنت بحاول أحميك.
تحميني من إيه؟ من ابني وبنتي؟!
كانت مش مناسبة ليك! إنت كنت بتبني مستقبلك، وهي كانت هتعطلك!
ليلى شدت إيدي بقوة.
آدم وقف ساكت، لكن عينيه كانت مثبتة على جدته.
أما أنا، فحسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
كنت متوقعة أشوف إنكارًا، وكنت متوقعة أشوف غضبًا، لكني مكنتش متخيلة إن الست اللي حرمت ولادي من أبوهم ممكن تقول الكلام ده قدامهم بكل البرود ده.
ياسين صوته على
ردي عليّا! إنتِ كنتِ عارفة ولا لأ؟!
سوسن هانم بصت حواليها، لقت الكاميرات والعيون كلها متعلقة بيها، فحاولت ترجع للعبتها القديمة.
أنا أمك يا ياسين! بعد كل اللي عملته عشانك، هتوقف مع واحدة غريبة ضدي؟!
ياسين رد بصوت مبحوح
مريم مش غريبة. دي أم ولادي!
الجملة نزلت على سوسن كأنها صفعة.
لكنها فجأة قالت
أيوه، كنت عارفة إنها حامل! وكنت عارفة إنها بعتت لك! لكني كنت بحاول أحافظ عليك! هي كانت هتخليك تتنازل عن كل حاجة، وأنا مش هسمح لحد يضيّع اللي بنيته بإيدي!
القاعة غرقت في صمت كامل.
ياسين رجع خطوة لورا.
إنتِ منعتي عني خطابها؟
سوسن ما ردتش.
إنتِ خبيتي عني إن عندي ولاد؟
فضلت ساكتة.
وبعدين قال الجملة اللي غيرت شكل الليلة كلها
يبقى إنتِ اللي ضيّعتي عشر سنين من عمري، مش مريم.
سوسن هانم حاولت تقرب منه، لكنه رجع لورا.
متقربيش مني دلوقتي.
لأول مرة، ياسين رفض ينفذ رغبتها.
ولأول مرة، هي اللي وقفت لوحدها وسط القاعة.
لكن اللي حصل بعد كده كان أكبر من مجرد اعتراف غاضب.
لأن التسجيل الصوتي اللي نادين أشارت له، لما اتراجع ضمن الإجراءات القانونية، ساعد في كشف تفاصيل أكتر عن الطريقة اللي تم بيها إخفاء بعض المراسلات، إلى جانب المستندات المحاسبية اللي قدمها صبري.
والتحقيقات الرسمية هي اللي هتحدد بالضبط مين مسؤول عن كل مخالفة، ومين شارك فيها، ومين حاول يستفيد منها.
أما الليلة دي، فكانت مجرد بداية.
اختبار ال… والحقيقة اللي مفيش حد قدر ينكرها
بعد الحفل، ياسين طلب يقابلني في مكان هادي.
رفضت في البداية.
مش لأني كنت خايفة منه، لكن لأني مكنتش مستعدة أسمع اعتذارات متأخرة لمجرد إنه اتفضح قدام الناس.
نادين قالتلي
إنتِ مش مضطرة تقابليه. لكن لو حابة تسمعيه، خلي المقابلة في وجودي، وكل حاجة تخص الأطفال تكون واضحة.
وافقت، بشرط إن آدم وليلى هما كمان يكون ليهم رأي.
بعد يومين، اتقابلنا في مكتب المحامية.
ياسين دخل من غير البدلة الفخمة اللي شوفته بيها في الحفل. كان لابس قميص بسيط، وشكله مرهق، كأنه مغمضش عينه من يومها.
وقف قدام التوأم، لكنه ما حاولش ولا يتصرف كأنه يعرفهم.
قال بهدوء
أنا عارف إنكم مش مضطرين تسامحوني، ولا حتى تحبوني. وأنا مش جاي أطلب منكم تنادوني بابا. أنا جاي أقول لكم إني آسف على حاجة حصلت قبل ما أعرف إنكم موجودين.
آدم سأله مباشرة
لو ماما مكنتش ظهرت في التلفزيون، كنت هتعرف إن عندك ولاد؟
ياسين اتجمد.
السؤال كان بسيط، لكن إجابته كانت أصعب من أي مواجهة حصلت في القاعة.
بعد لحظة طويلة، قال
الحقيقة؟ غالبًا لأ. ودي حاجة هفضل ندمان عليها طول عمري.
ليلى بصت له وقالت
طب إنت زعلان عشان ضيعتنا، ولا عشان الناس عرفت إنك كدبت؟
ياسين نزل عينيه.
في الأول كنت خايف من الفضيحة، ومش هكدب عليكم. لكن لما شوفتكم، فهمت إن فيه حاجات في الحياة مينفعش تتعوض بالفلوس ولا بالنجاح.
ليلى مردتش.
وآدم قال
الكلام سهل. إحنا مش عارفينك أصلًا.
ياسين هز راسه.
عندك حق.
المرة دي، ما حاولش يبرر نفسه.
وبعد موافقة الأطراف المعنية، اتعمل اختبار DNA عن طريق جهة معتمدة، وفق الإجراءات المتبعة.
بعد أيام، النتيجة وصلت.
نسبة إثبات الأبوة كانت أعلى من 99 99.
ياسين كان الأب البيولوجي للتوأم بالفعل.
لما نادين قالت النتيجة، ياسين قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.
وبكى.
مش البكاء اللي الناس بتشوفه في اللقاءات التلفزيونية، ولا الحزن المحسوب اللي بيظهر بيه قدام الكاميرات.
كان بكاء راجل أدرك إن فيه عشر سنين من عمر طفلين مش هيقدر يرجعهم مهما دفع.
لكن بالنسبة لي، النتيجة مكنتش مفاجأة.
أنا كنت عارفة الحقيقة من أول يوم.
اللي اتغير هو إنه أخيرًا اضطر يبص لها.
العرض اللي رفضته… والشرط اللي حطيته
بعد أسبوع، ياسين طلب يقابلني لوحدي، في وجود نادين.
قعد قدامي، وفتح ملف صغير.
أنا عارف إن أي مبلغ مش هيعوضك عن اللي عشتيه، لكني عايز أرجع لك كل حقوقك وحقوق الأولاد، وأوفر لهم أفضل تعليم ورعاية، وأعمل لهم حسابات مالية باسمهم.
بصيت للملف، وبعدين بصيت له.
حقوقهم مش هدية منك يا ياسين. دي حقوقهم، سواء كنت عايز تشوفهم أو لأ.
هز راسه.
فاهم.
والتعليم والعلاج والنفقة هيتحددوا باتفاق قانوني واضح، وتحت إشراف المحامين. مش هسمح إن الفلوس تبقى وسيلة ضغط عليهم، ولا إنك تستخدمها عشان تشتري حبهم.
قال بسرعة
موافق.
وبعدين سكت شوية قبل ما يسأل
وإنتِ؟ إيه اللي ممكن أعمله عشان تسامحيني؟
بصيت له طويلًا.
من عشر سنين، كنت هتمنى أسمع السؤال ده.
كنت هتمنى إنه يرجع، ويقول

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *