بعد عشر سنين

غلطان، وإنه مستعد يصلح كل حاجة.
لكن لما السؤال جه أخيرًا، اكتشفت إن الست اللي كانت مستنياه زمان مبقتش موجودة.
قلت له
أنا مش عايزة منك حاجة لنفسي. أنا بنيت حياتي، وربيت ولادي، ووقفت على رجلي من غيرك. مش محتاجة ترجع عشان أحس إني كسبت.
يعني مفيش أمل؟
فيه أمل إنك تبقى أب كويس لولادك. إنما إنك ترجع تبقى جوزي؟ لأ يا ياسين. إحنا انتهينا من عشر سنين، ومش كل حاجة بتتصلح باعتذار.
سكت، وبعدين قال
هحترم قرارك.
ولأول مرة، صدقته في حاجة واحدة على الأقل إنه مكنش بيحاول يجبرني أغير رأيي.
لكن قبل ما أقوم، حطيت إيدي على الملف وقلت
فيه شرط أخير.
بصلي باهتمام.
اتفضلِي.
لو عايز تدخل حياة آدم وليلى، لازم تفهم إنك مش هتدخلها بصفتك الملياردير ياسين عبدالسلام. هتدخلها بصفتك أبوهم، ودي مسؤولية مش لقب. مش هتختفي لما تتعب، ومش هتظهر بس لما تكون فاضي، ومش هتستخدمهم في صورتك قدام الناس.
ياسين رد من غير تردد
موافق.
قلت له
متوعدنيش. أثبت ده مع الوقت.
وقمت ومشيت.
الإمبراطورية بدأت تقع… لكن مش بالطريقة اللي توقعها حد
في الشهور اللي بعدها، حصلت تغييرات كبيرة في مجموعة عبدالسلام.
مجلس الإدارة طلب مراجعة مالية مستقلة لكل الحسابات القديمة، وتم تعليق صلاحيات بعض المسؤولين لحين انتهاء التحقيقات.
التحقيق كشف مخالفات مالية وتجاوزات في مستندات مرتبطة ببعض التحويلات القديمة، واتضح إن فيه أموال خرجت من الشركة من غير ما تمر بالإجراءات السليمة.
لكن الأهم إن التحقيقات ما اكتفتش باللي حصل من عشر سنين؛ بدأت تراجع ملفات أحدث كمان.
وسوسن هانم، اللي كانت طول عمرها بتتصرف كأن الشركة ملكها الشخصي، لقت نفسها مطالبة بالرد على أسئلة قانونية ومالية صعبة.
بعد مراجعة الأدلة وسماع أقوال الشهود، اتخذت الجهات المختصة الإجراءات القانونية المناسبة في الوقائع اللي ثبتت فيها مخالفات، واستُبعدت سوسن من أي دور إداري في الشركة لحين انتهاء التحقيقات.
أما ياسين، فقرر بنفسه يتنحى مؤقتًا عن رئاسة مجلس الإدارة، لحد ما المراجعة المستقلة تخلص.
ناس كتير اعتبرت قراره اعترافًا بالذنب، وناس تانية شافت إنه محاولة لإنقاذ سمعته.
لكن اللي حصل فعلًا كان أعقد من الاتنين.
لأن ياسين اكتشف إن انشغاله بالنجاح خلاه يثق في أشخاص من غير ما يراجع وراهم، وإنه سمح لصورة العائلة المثالية تتحول لغطاء يخفي تحته أخطاء أكبر من قدرته على تجاهلها.
بعد شهور، انتهت المراجعة الأساسية، واتخذت الشركة إجراءات لاسترداد الأموال التي أمكن تتبعها، وبدأت تسويات قانونية بشأن بعض المطالبات.
أما حقوق آدم وليلى، فتم الاتفاق عليها رسميًا، واتوثقت التزامات ياسين المالية تجاههما بعيدًا عن أي وعود شفهية.
ومع ذلك، مكنتش أكبر خسارة لياسين هي الفلوس، ولا منصبه، ولا صورته في الصحف.
كانت أكبر خسارة إنه بقى مضطر يبدأ من الصفر في أهم علاقة في حياته.
علاقة مكنش عنده فيها أي امتياز.
لأن الطفلين مكنوش مهتمين بثروته.
كانوا عايزين يعرفوا إذا كان هييجي في معاد المدرسة، وإذا كان هيفتكر عيد ميلادهم، وإذا كان هيبقى موجود لما يحتاجوه.
ودي حاجات مفيش شركة في الدنيا تقدر تضمنهاله.
أول مرة ياسين يحضر عيد ميلاد ولاده
بعد حوالي ست شهور، آدم وليلى وافقوا يقضوا مع ياسين يومًا كل أسبوع، في مواعيد متفق عليها، ومن غير ما يتغير نظام حياتهم أو دراستهم.
في البداية، كانت المقابلات رسمية جدًا.
ياسين كان بيسألهم عن المدرسة، وهما بيردوا بإجابات قصيرة.
كان بيحاول يجيب لهم هدايا غالية، لكن آدم كان يرفض أغلبها.
وفي مرة، ياسين جاب له لابتوب جديد بمواصفات
خرافية.
آدم بص للجهاز وقال
أنا عندي واحد كويس.
ياسين اتلخبط.
طب ما ده أحسن.
مش محتاج أحسن. لو عايز تساعدني، ممكن تساعدني أتعلم برمجة.
ياسين فضل باصص له، وبعدها ابتسم ابتسامة حقيقية.
اتفقنا.
أما ليلى، فكانت بتحب الرسم. وياسين اكتشف إن عندها موهبة كبيرة في تصميم الملابس، فبدأ يروح معاها معارض فنية، لكن من غير ما يحاول يشتري لها كل حاجة تعجبها.
كان بيتعلم يسألها إنتِ حابة إيه؟ بدل ما يقرر عنها.
وفي عيد ميلاد التوأم الحادي عشر، قرر ينظم لهم حفلة كبيرة في فندق.
لكن لما وصل، لقى إنه مفيش فندق ولا زينة ضخمة ولا صحفيين.
كان فيه بيتنا، وبالونة صغيرة مكتوب عليها 11 سنة، وتورتة بالشوكولاتة، وبيتزا آدم المفضلة، وكعكة ليلى اللي اختارت شكلها بنفسها.
ياسين بصلي باستغراب.
إنتوا غيرتوا المكان ليه؟
ليلى ردت
إحنا عمرنا ما احتفلنا في فندق. ليه نبدأ دلوقتي؟
آدم أضاف
وبعدين، اتفقنا إن عيد ميلادنا مش مؤتمر صحفي.
ياسين ضحك، وحط الهدية اللي جابها على الترابيزة.
المرة دي، الهدية كانت بسيطة كتاب عن تصميم الألعاب لآدم، ومجموعة أدوات رسم احترافية لليلى.
آدم فتح هديته، وبص لأبوه.
إنت فاكر إني قلتلك إني عايز أتعلم أعمل ألعاب؟
ياسين ابتسم.
فاكر.
كانت أول مرة تعملها من نفسها.
ياسين اتجمد للحظة، وبعدها ، وعينيه دمعت.
أنا كنت واقفة بعيد، بتفرج عليهم.
مكنتش غيرانة، ولا حاسة إن حد بياخد مكاني.
بالعكس.
أنا كنت عايزة ولادي يبقى عندهم أب حقيقي، حتى لو الراجل ده خذلني أنا شخصيًا.
لكن كان فيه شيء أهم .
إنهم كانوا بيقربوا منه بمزاجهم، مش خوفًا منه، ولا طمعًا في فلوسه، ولا عشان أنا طلبت منهم يسامحوه.
وده كان أول دليل حقيقي إن ياسين بدأ يتغير.
بعد سنة… رجع للتلفزيون، لكن المرة دي قال الحقيقة
بعد سنة كاملة من الليلة اللي دخلت فيها حفل شركته، ياسين ظهر في لقاء تلفزيوني جديد.
المذيع سأله
أستاذ ياسين، من سنة حضرتك قلت إن أكبر ندم في حياتك إنك مخلفتش. وبعدها بأيام، ظهرت حقيقة إن عندك توأم. إيه اللي اتغير في حياتك من وقتها؟
ياسين سكت لحظات.
ثم قال
أنا كنت فاكر إن النجاح هو إني أبني شركة كبيرة، وأكسب فلوس كتير، وأخلي الناس كلها تحترمني. لكن اكتشفت إن الواحد ممكن ينجح قدام الناس، وهو فاشل في أهم مسؤولياته.
المذيع سأله
تقصد علاقتك بأولادك؟
ياسين هز راسه.
أقصد كمان علاقتي بالحقيقة. أنا طلقت أمهم من عشر سنين، ومكنتش أعرف إنها حامل. لكن لما ظهرت قدامي، كان المفروض أسمعها بدل ما أفكر في سمعتي. وكان المفروض أتحقق من كل حاجة بدل ما أسيب الغضب والخوف يتحكموا في تصرفاتي.
وبعدين بص للكاميرا وقال
آدم وليلى مش مسؤولين عن أخطائي، ومش مطلوب منهم يسامحوني عشان أنا أبوهم. أنا اللي مطلوب مني أثبت لهم إني أستحق يكون ليا مكان في حياتهم.
المذيع سأله
وهل سامحتك مريم؟
ياسين ابتسم بحزن.
مريم مش مطالبة تسامحني، ولا ترجع لي. هي أدت ولادنا حب وأمان أنا محضرتش معاهم لحظة واحدة من حياتهم. وأنا هفضل أحترمها على ده، حتى لو فضلت طول عمري أحاول أعوضهم عن غيابي.
قفلت التلفزيون.
آدم كان قاعد على المكتب بيشتغل على أول لعبة إلكترونية بيصممها، وليلى كانت بترسم فستانًا جديدًا في كراسة كبيرة.
بصيت لهم، وحسيت براحة عمري ما عرفتها من عشر سنين.
مش لأن ياسين اتعاقب.
ولا لأن شركته اتعرضت لأزمة.
ولا لأن الناس عرفت الحقيقة.
لكن لأن ولادي بقوا عارفين إن قيمتهم مش مرتبطة بوجود أبوهم في حياتهم، وإنهم مش محتاجين يثبتوا لأي حد إنهم يستحقوا الحب.
المفاجأة الأخيرة اللي مكنتش في الحسبان
بعد شهرين، كنت راجعة من شغلي، ولقيت آدم مستنيني على باب الشقة.
ماما، عايز أسألك سؤال.
اتفضل يا حبيبي.
لو إحنا كنا فضلنا طول عمرنا من غير ما نعرف بابا، كنتِ هتكوني سعيدة؟
السؤال فاجأني.
قعدت جنبه وقلت
أنا كنت هكون سعيدة بيكم، زي