بعد ما خلفت اربع بنات

وبالليل، لما الأطفال ناموا، محمود قرب مني وقال “منى، عايز أسألك سؤال.” قلت له “اتفضل. ” قال “لو رجع بيا الزمن لليوم ده، يوم ما شفت يوسف لأول مرة، تتخيلي كنت هقول إيه؟” بصيت له شوية، وبعدين قلت “كنت هتبص لابنك وتقول الحمد لله، وتبص لمراتك وتقول لها شكرًا إنك تعبتي وجبتيه للدنيا.
” ابتسم بحزن وقال “كان نفسي أكون عملت كده.” قلت له “الماضي ما بيتغيرش يا محمود، لكن اللي بيتغير هو اللي بنتعلمه منه.” مد إيده ومسك إيدي وقال “أنا اتعلمت إن الولد مش هو اللي بيكمل العيلة، وإن البنت مش أقل من الولد، وإن الإنسان ممكن يخسر أغلى حاجة عنده وهو فاكر إنه بيدافع عن حلمه.
” وبعدين بص لي وأضاف “وأهم حاجة اتعلمتها، إن الثقة لو اتكسرت، مش كفاية أقول آسف. لازم أكون كل يوم شخص يستحق الثقة دي.” المرة دي، ما رديتش عليه بكلام كتير. اكتفيت إني ابتسمت، وضغطت على إيده.
لأن الأيام أثبتت لي إن محمود ما بقاش مجرد راجل ندمان على كلمة قالها، لكنه بدأ يفهم أثر تصرفاته، وبيحاول يصلح اللي أفسده. ومع ذلك، عمري ما نسيت اليوم اللي شال فيه ابنه لأول مرة، وبص لي وقال إنه مش متأكد إنه ابنه.
اليوم ده علمني إن الحب لوحده مش كفاية عشان البيوت تستمر، وإن الثقة والاحترام أهم من أي حلم أو أمنية. وعلمني كمان إن قيمة الأم مش في عدد الأولاد اللي بتخلفهم، ولا في إنها تجيب ولد أو بنت، لكن في إنها تكون إنسانة ليها كرامة ومشاعر وحقوق.
وعلمني كمان إن قيمة الأم مش في عدد الأولاد اللي بتخلفهم، ولا في إنها تجيب ولد أو بنت، لكن في إنها تكون إنسانة ليها كرامة ومشاعر وحقوق. أما محمود، فتعلم بالطريقة الصعبة إن اسم العيلة مش بيتحفظ بوجود ولد، ولا الرجولة بتتقاس بعدد الأبناء الذكور.
اسم العيلة الحقيقي هو الحب اللي بتزرعه في أولادك، والاحترام اللي بتعامل بيه أمهم، والأمان اللي بيحسوا بيه وهما عايشين تحت سقف واحد. وفي النهاية، يوسف ما كانش الطفل اللي كمل عيلتنا، لأن عيلتنا كانت كاملة من أول يوم رزقنا فيه بسلمى.
يوسف كان نعمة جديدة انضمت لينا، زي ما كانت كل بنت من أخواته نعمة قبل منه. والفرق الوحيد إن أبوه احتاج سنين طويلة، وصدمة كبيرة، عشان يفهم الحقيقة اللي كان المفروض يعرفها من البداية. إن الطفل ما بيجيش الدنيا عشان يعوض أبوه عن نقص حاسس بيه، ولا عشان يثبت إن أمه نجحت في حاجة فشلت فيها قبل كده.

